اكاديميون

الإثنين,تشرين الأول 06, 2008


حلم وزمان

  

 

جليل وادي

يبدو ان لكل زمان اسماء، كما لكل زمان رجال، وفي زماننا اقتضت الضرورة ان يبدل بعض الناس مكرهين أسماءهم، لتحاشي فخ نصبه واهمون لاقتناص ابرياء بذرائع مبتكرة، مع ان المقنوصين لا حول لهم ولا قوة، ولا هم من هذا الطرف او ذاك، بل أناس "على باب الله" يبحثون عن قوت عيالهم بشتى السبل، محتالين على قدرهم الذي جعلهم يفكرون حتى بتبديل اسمائهم ليكون بمقدورهم عبور مناطق ساخنة وقعت تحت نفوذ جهات تخالفهم بالهوية، ولكن كيف لهم استبدال الاسماء التي عشقوها سنوات طوالاً، وتباهوا بها بين الاقران والخلان؟ وكيف ذاك وقد غدا الاسم لصيقاً بهوية الاحوال، وما السبيل لزمان يفرخ مصائب ماكانت بالحسبان.

 

ذات مرة حلم احدهم يقظاً ان حفنة من الطائفيين اوقفوه في منتصف طريق ليسألوه عن هويته، قفز مرعوباً، كل شيء في الهوية يخيفه. "اللعنة على الهوية" قال بصوت حزين، تصفح هويته ثانية، فوجد ان كل ما فيها يثبت انه من الطائفة التي يستهدفها الواهمون، اسمه، عشيرته، مسقط رأسه، مكان الصدور، فعن بباله انموذج هوية خال من كل هذه "البلاوي السود" واستبدالها برموز وارقام تجعله نكرة، نعم نكرة.

وهكذا اصبح استبدال الاسماء والالقاب ظاهرة جديدة لها صدى حتى في اعلانات الصحف وقاعات المحاكم، وبدا بعضها مضحكاً ومبكياً حد الاختناق. وقد وجد الذين يستدعي عملهم التنقل بين المحافظات في تزوير الهويات حلاً للتغلب على مشكلة العنف الطائفي، والغريب في تلك الهويات انها لا تختلف عن الاصلية بشيء، وكأنها صدرت عن جهة رسمية بطابعها الفسفوري واختامها المحكمة.

ولم يقتصر استبدال الاسماء على الاشخاص، بل طال المدن ايضاً، واراد المسؤولون ان يكون هذا الامر رسمياً، فأصدروا الاوامر بمنح مجالس المحافظات صلاحية اختيار اسماء بديلة، وكان عليهم ان يوكلوا هذه المهمة الى لجان مختصة من الاكاديميين والمؤرخين والادباء، واخشى ما يخشاه الناس ان تطول رغبة التغيير اسماء بابل وذي قار ونينوى والانبار وغيرها، مع ان ليس ثمة اعظم من هذه الاسماء ولا اجمل.

أتذكر ان محاولات مثل هذه جرت في زمان سابق لهذا الزمان، وخطت اسماء جديدة على الجدران وبوابات الدوائر، لكنها ظلت اسيرة الخطابات الرسمية، وتغير الزمان وسقطت اللوحات من الجدران، فيما خلدت الاسماء القديمة في وجدان الناس، أه من هوس اصحاب الازمنة بتغيير الاسماء.

وفي طريق يسلكه عابرون كثر في قلب بغداد، رأيت ساحة باسم جديد لا يمت بصلة للتمثال الذي يتوسطها، لكن لم يتجرأ احد على فك التناقض برفع الاسم الجديد او التمثال القديم، ويا للعجب.

وفي زيارة لمدينة لا ارغب بذكر اسمها، وجدت ثلاثة شوارع بالاسم الجديد ذاته، ومثل ذلك لمؤسسات في مدينة اخرى، فأوحى لي ذلك ان الزمن لم يتغير، بل تغيرت الاسماء، فطوحت في ازقة الذاكرة وحال نفسي يقول لِمَ لا نسمي الاشياء بأسمائها؟ وهكذا نظل مترنحين بين حلم وزمان